أهلا بك في جامعة عين شمس

لماذا اختارت مصر الصين؟ لماذا اختارت الصين مصر؟

سؤال يحتاج في إجابته عشرات اﻷوراق ليسطر الحكاية التي بدأت بين البلدين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في خمسينات القرن الماضي، في الثلاثين من مايو 1956، لتصبح مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

شهدت العلاقات بين البلدين تطورًا في كافة المجالات على مدار العقود الخمسة الماضية، ساعد على تميز هذه العلاقة التفاهم والتناغم بين البلدين في الأهداف والسياسات، فضلًا عن تفهم الجانبين خصوصية الآخر واحترام شؤون الآخر ورؤيته للقضايا الجوهرية إقليميًا وعالميًا.

وكان إعلان الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين في 5 إبريل عام 1999، هو ثمرة هذا الفهم وهذه الثقة المتبادلة بين الدولتين، وجاء اختيار الدولتين الكبيرتين لبعضهما كشركاء استراتيجيين بعد مقدمات مدروسة أدت لنتائج فعلية على أرض الواقع سياسيًا وعلميًا وثقافيًا.

ويهمني في هذا المقام الحديث عن النتائج الفعلية علميًا وثقافيًا، من وجهة نظري الخاصة، حيث بدأ التعاون والتبادل العلمي بين الدولتين الكبيرتين منذ ثلاثينات القرن الماضي بوصول أول دفعة من دارسي اللغة العربية الصينيين للدراسة بجامعة الأزهر الشريف وعلى رأسهم العلامة الجليل الأستاذ محمد مكين، وبعد عودتهم للصين أصبحوا نواة تعليم اللغة العربية في جامعة بكين والتي انطلق منها بعد ذلك هذا التخصص إلى معظم الجامعات الصينية حتي يومنا هذا .

 

وبالمثل ذهبت أول دفعة من دارسي اللغة الصينية المصريين من جامعة عين شمس للدراسة في جامعة بكين للغات والثقافة في السبعينات من القرن الماضي، والذين أصبحوا نواة تعليم اللغة الصينية في الجامعات المصرية ثم الوطن العربي.

ومنذ ذلك الحين لم تنقطع سنويًا البعثات الدراسية بين الجانبين، وتوسعت وشملت معظم التخصصات العلمية كالطب والهندسة والتكنولوجيا والزراعة والحاسوب واللغة وغيرها من مجالات التدريب والدراسة الأكاديمية .

وكنا نحن دارسي اللغة الصينية شهود العيان على نمو وتطور العلاقات بين الدولتين على مدار 40 عامًا، لم نشهد فقط التحولات السياسية والاقتصادية في الصين بل كنا جزءًا أصيلاً من التبادلات العلمية والثقافية بين البلدين، فقد حملنا على عاتقنا مسؤولية تعليم اللغة والثقافة والأدب الصيني في مصر والوطن العربي حتى تجاوز عدد طلابنا اليوم عشرات الآلاف، منهم من تولى مناصب مرموقة في وزارات الدولة ومنهم من أصبح من أصحاب الشركات التجارية التي تعمل مع مؤسسات صينية، ومنهم من ساهم في نشر الثقافة الصينية عبر ترجمة أمهات الكتب الصينية في التاريخ والأدب والعلوم والفنون .

كنا ومازلنا القوة الناعمة التي تعرف المجتمع العربي من خلالها على الصين أمة وشعبًا وتاريخًا وحضارة، كنا ومازلنا الجسر الذي عبرت عليه الثقافتان العربية والصينية لبعضهما البعض، كنا ومازلنا حماة اللغة والأدب الصيني في منطقة الشرق الأوسط .

لم نشعر بفجوة المادية الغربية في تعاملاتنا مع الشعب الصيني، وجدنا شعبًا يشبهنا في الموروث الحضاري والإنساني الذي يتجسد في نسيج المجتمع وترابطه الأسري، وجدنا حضارة تؤسس للمستقبل على أسس متينة وواقع عميق الجذور، وجدنا رؤية ذكية مستنيرة رشيدة تقود الأمة الصينية بتعقل نحو تنمية وتطور شامل ومتكامل، وجدنا سياسات بصيرة تدرك بحسابات دقيقة موقعها بين الأمم في المستقبل وتخطو نحو الهدف خطوات حكيمة، وجدنا شعبًا متماسكًا ومؤمنًا برؤية حكامه وحريصًا على مشاركة الدولة في إعلاء شأن البلاد.

هذا ما وجدناه في الصين وكنا شاهد عيان عليه، لذلك، كنا ومازلنا نفخر ونعتز باختيارنا للصين واللغة الصينية، كنا ومازلنا سعداء بالاختيار ولم نندم عليه يوما؛ فقد اخترنا التاريخ والحضارة، اخترنا العراقة التي تضرب بجذورها عبر السنين وكان الاختيار الصحيح