بني قصر الزعفران في عهد الخديوي اسماعيل على انقاض (قصر الحصوة) الذي بناه محمد علي مؤسس الدولة المصرية الحديثة, وكان يتألف من خمس بنايات, وقد سمي بالحصوة نسبة الى منطقة العباسية التي كانت بهذا الاسم, حتى اصدر عباس باشا الاول عام 1851 امرآ  بالغاء الحصوة وتعمير المنطقة ليصبح اسمها العباسية نسبة اليه وفي عام 1864 اشترى الخديوي اسماعيل قصر الحصوة بمبلغ 250,000 قرش أي ما يساوي 2500 جنيهاً, وأعاد بنائه ليكون قصراً واحداً على هيئته الحالية, وعهد الخديوي الى وكيل وزارة الاوقاف أنذاك المهندس مغربي بك والاشراف على بنائه, حيث كان ضمن البعثة الهندسية التي اوفدها الخديوي الى فرنسا, ومن الظريف انه جد الدكتور سعد مغربي الاستاذ الاسبق باكاديمية الشرطة.

وقد بني القصر على غرار قصر فرساي بفرنسا الذي قضى فيه الخديوي اسماعيل فترة تعليمه, وقد طلب الخديوي نقش الاحرف الاولى من اسمه وتاجه الخاص على بوابة القصر الحيحية ومداخل القاعات والغرف, ومازالت النقوش موجودة حتى الآن.

وفي عام 1872 أهدى اسماعيل القصر لوالدته المريضة السيدة خوشيار هانم (صاحبة الفضل في بناء مسجد الرفاعي الموجود امام مدرسة السلطان حسن في حي القلعة) كنوع من الاستشفاء حيث نصحها الاطباء بالهواء النقي لذا بني القصر وسط حديقة مزروعة جميعها بنباتات الزعفران ذو الرائحة الذكية. وبعد ذلك بأربع سنوات أي عام 1876 خصص القصر لاستقبال ابني مصطفى باشا فاضل أخو الخديوي اسماعيل وابن السيدة خوشيار هانم. وظل القصر مجرد مكان لسكني بعض افراد اسرة محمد علي غير أن الاحداث جعلته جزءاً من تاريخ مصر, ففي عام 1882 وبعد هزيمة عرابي, ووصول طلائع الجيش الانجليزي الى القاهرة طلب الخديوي توفيق من جدته خوشيار هانم إخلاء القصر لاقامة الضباط الانجليز, ولكنهم اقاموا بالاستيلاء على القصر وطردوا من يعمل به من خدم خوشيار هانم, وبدلاً من أن يقيموا عدة اشهر حيث كان مقرراً لهم طالت إقامتهم وامتدت حتى بلغت خمس سنوات.

وكان استعمال هؤلاء الضباط للقصر غاية في السوء فلم يحافظوا على نقوشه وابوابه وخربوا غرفه تماماً, وما أن اخلوه حتى طلب الامير حسين كامل سلطان مصر فيما بعد من القائد الانجليزي أن يدفع تعويضاً عن مدة إقامتهم بالقصر خمسون جنيهاً عن كل شهر ولكن لا توجد وثائق تؤكد أن الانجليز دفعوا مثل هذا التعويض.

وفي عام 1908 قررت وزارة المعارف إنشاء مدرسة ثانوية يطلق عليها اسم ملك مصر فوقع اختيارها على قصر الزعفران ليكون مقراً للمدرسة وسميت مدرسة فؤاد الاول وزارها ملك مصر في ديسمبر عاد 1922 وانشد حافظ ابراهيم وقتها قصيدة مطلعها.

أقصر الزعفران لأنت القصر.
خليق أن يتهدى على النجوم
كلا يهديك للأجيال فخر.
وزهور للحديث وللقديم
ترى بالامس فيك علا.
ومجد وانت اليوم مثوى للعلوم

ونعود سوياً إلى قصر الزعفران لنستكمل القصة ففي عام 1952 نقلت مدرسة فؤاد الاول إلى المبنى المخصص بالعباسية فحلت محلها إدارة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن), وقد شغلت إدارة الجامعة وكلية الآداب القصر حيث كان مكتب مدير الجامعة أحمد لطفي باشا السيد في الدور الاول, والدور الثاني مقراً لكلية الآداب, أما كلية العلوم فقد شغلت الملحقات الملحقات والمساكن الحاشية بعد ادخال التعديلات اللازمة.

وظلت الجامعة المصرية بالقصر حتى تم بناء كليات الجامعة المصرية وانتقلت تدريجياً الى المقر الجديد بالجيزة.

تركت إدارة الجامعة القصر لوزارة الخارجية التي اشترته وجعلته داراً للضيافة واستقبال زوار مصر من الملوك والامراء الاجانب. ومن اهم ذكريات القصر التاريخية توقيع معاهدة 1963 حيث نجد أن زعيم الامة المصرية مصطفى النحاس تفاوض مع المندوب السامي البريطاني مايلزلامبسون لورد كيلرن في ردهات القصر, وتم توقيع الأحرف الاولى بين لامبسون والنحاس وقادة الاحزاب على المعاهدة.

ومازالت المنضدة التي تم التوقيع عليها موجودة في مكانها, بصالون القاعة الرئيسية, وحولها طاقم من الكراسي المذهبة وعمرها الآن حوالي 120 سنة.

وتعرف معاهدة 1936 في المراجع والوثائق الانجليزية إلى اليوم بإسم معاهدة الزعفران نسبة الى القصر.

وفي اوائل عام 1952 تقرر أن يكون القصر مقراً لجامعة " ابراهيم باشا "  وكلية الحقوق التابعة لها, وأخلته وزارة الخارجية ونقلت كل ما به من أثاث إلا أنها أخطرت لترك الستائر والثريات الثمينة التي خشى المسئولون أن تتلف أو لا تصلح للاستعمال بعد فكها وشغلت كلية الحقوق الطابق الأول, بينما شغلت إدارة الجامعة الطابقين الثاني والثالث, ثم انشئت كلية العلوم وتبعها مباني الكليات الأخرى. الحقوق والآداب, وملحق إدارة الجامعة وغيرها من المباني الجامعية, وذلك في المساحة المحيطة بالقصر من كل انحاء.

وفي 29 ديسمبر عام 1985 تم تسجيل قصر الزعفران ضمن الآثار الإسلامية باعتباره أثراً تاريخياً شهد وقائع تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

وقد اهتمت جامعة عين شمس بترميم هذا الأثر العظيم بالتعاون مع هيئة الآثار, واسندت أعمال الترميم للأستاذ الدكتور فاروق الجوهري  الأستاذ بكلية الهندسة (قسم العمارة) ونائب رئيس الجامعة الأسبق, وبدأت عملية الترميم والصيانة في عام 1922 مع مراعاة احتفاظ القصر بشخصيته المعمارية والأثرية والفنية.

وصف القصر

ويتكون القصر من ثلاثة أدوار, الدور الأول للاستقبال وبه القاعة الرئيسية إلى اليسار وبجوارها قاعتان للاستقبال وهي مخصصة الآن لاجتماعات مجلس الجامعة, وعلى اليمين كانت تقع حجرة المائدة وكانت تسع أربعين شخصاً وهي مخصصة الآن مقراً لاجتماعات نواب رئيس الجامعة.

وعندما ننظر أمامنا نجد البهو الكبير ذو سلم ثنائي فخم وهو سلم تاريخي مصنوع من النحاس ومغطى بطبقة مذهبة.

ويقول أ.د. فاروق الجوهري عندما بدأت عملية الترميم, كانت عوامل التعرية قد أثرت على القصر بشكل كبير بالإضافة إلى عوامل الإهمال التي لحقت به نتيجة الاستعمال, وقد راعينا عند الترميم رجوع هذا الأثر العظيم إلى عهدة الأول عندما تم بنائه, فالأسقف لها طابع مميز وموحد وهي عبارة عن سماوات جميلة, أما بالنسبة للزخارف والنقوش تم إعادتها كما كانت, وبخصوص سلم البهو الكبير فهو مصنوع من النحاس وهو السلم الوحيد في مصر الذي يوجد به هذه الكمية من النحاس ولا يوجد مثيل له في أي قصر آخر.

وإذا نظرنا فوق السلم نجد مساحة مسقوفة بالزجاج البلوري المعشق بألون زاهية يعكس على السلم ألوان السماء الساطعة, ويستكمل الدكتور الجوهري حديثه أن تعشيق الزجاج هنا تم بالرصاص  وهذا الفن أتى من أوروبا مع بداية عصر النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر, وكان استخدام الجبس هو الشائع في ذلك الوقت لتعشيق الزجاج وخاصة في الفن الإسلامي.

وبالنسبة للأبواب الخشبية نجد ارتفاعاتها تصل إلى 4م والأسقف 6م هذا الإرتفاع يساعد على عمل فراغ كبير يشعرنا بالتكييف الطبيعي وذلك نظراً لعدم وجود مكيفات كهربائية في ذلك الوقت والقصر يعد تحفة معمارية رائعة لا بد من الحفاظ عليها لأننا إذا حاولنا تقليد مثل هذا القصر قد تصل تكلفته حوالي 280 إلى 350 مليون جنية.

القصر يجمع بين الطراز القوطي والباروك

وتترك أعمال الترميم ونستكمل الحديث عن وصف القصر, نجد أن القصر يضم ما بين الدور الأول والثاني في الجزء الخلفي حديقة شتوية وإلى جوارها حائط زجاجي ملون يعكس هذا الزجاج كل الألوان على الزهور ونباتات الحديقة. وقد أقيمت  هذه الحديقة الداخلية للاستمتاع بمنظر الزهور في فصل الشتاء, في حالة عدم التمكن من الخروج إلى الحدائق الخارجية للقصر.

وعندما نصعد إلى الدور الثاني نجدث يضم 8 غرف للنوم كل غرفة ملحق بها صالون لاستقبال الزوار في حالة تعذر النزول للدور السفلي وملحق بها أيضا حمام تركي كبير مصنوع من الرخام ومزود بها كورات  صغيرة من الزجاج الملون يجعل الحمام يبدو مضائاً بإضاءة طبيعية. وتستخدم هذه الغرف الآن مكاتب لرئيس الجامعة ونوابه.

ويحكي لنا أ.د. أحمد عبد الرازق وكليل كلية الآداب يقول أهم ما يميز غرف النوم القبة التي تتوسط الغرفة والملونة بألوان السماء الصافية, وقد وضع مصمم القصر قديما هذه القبة فوق سرير النوم لأنه يقال : إن الخديوي كان يحب أن ينظر إلى السماء وهو مستلقى على ظهره قبل النوم.

ويقال أيضاً عندما عاد لويس التاسع ملك فرنسا إلى بلاده بعد أسره في دار ابن لقمان في المنصورة كان يقول: إنه يتذكر سحر وجمال الشرق عندما يرى الزجاج المعشوق بالألوان الزاهية, ويضيف أ.د. أحمد عبد الرازق أن هذا القصر يجمع بن طرازين الطراز القوطي وطراز الباروك وهما المستعملان في كثير من القصور في القرن التاسع عشر.

ويضيف سيادته أن جميع الزخارف المجددة بالقصر مذهبة والمذهب المستخدم هنا هو الذهب الإنجليزي لكن المستخدم قديما كان من الذهب الفرنسي ونظراً لإرتفاع سعرة الأخير استخدم الإنجليزي في الترميم.

وأخيراً نصل إلى الدور الثالث وكان مخصصا لأفراد الحاشية والخدم, والآن يستخدم لبعض  مكاتب الإدارة التابعة بمكاتب رئيس الجامعة  ونوابه  وقد بني هذا القصر على مساحة فدان  أما الحدائق التي كانت حوله تمتد حوالي 100فدان بالإضافة إلى الحدائق الشتوية الموجودة داخل القصر.

وهنا تنتهى الحكاية الخاصة بقصر الزعفران التي قصصناها للأجيال الجديدة من شباب المستقبل ليعلموا كيف تحول هذا القصر إلى منارة للعلم والمعرفة (جامعة عين شمس) ليرتفع فوقه شعار الجامعة (المسلة والصقران) وهما من مقدسات المصريين القدماء.

قصر الزعفران يتكلف من 280-350 مليون جنيه إذا حاولنا بناءه الآن

 رجوع